السبت، 20 سبتمبر، 2008

سرّ من رأى



في أحد الأيام الغابرة .. كنت ارنو إلى قلعة , ليست ككل القلاع , أحسست وكأنها ليست جزءا من الوجود , لكن الوجود فيها موجود , لم أتخيل يوما أن أعزم على الوصول إليها , كانت كافية لكل من يدخلها , تغنيه عما رأى دونها , يتأكد بأن كل شيء سيحدث له داخلها سيحدث لأجل عينيه , هي كافية لأن تحتوي حياة بأكملها وتحميها من الضياع وتضمن لها قدرا وفيرا من السعادة , السعادة التي كنت ارنو إليها ... لقد كانت سرّ من رأى







كم كان طويلا ذلك اليوم , كأنه دهور بشروق شمس واحد , كان اليوم الذي رفعت فيه بقبضة يميني المشعل الذي سينير طريقي إلى قلعتي المنشودة , المشعل الذي أضأت له نارا من ناري الداخلية , كان مشعلا أنيق الشكل جميلا بل أجمل وأعتق من جميع مشاعل الأولمبياد برمتها , كانت رائحة الخشب فيه تبث بالحيوية لحامله , في بداية السير كنت قد مررت بالكثير من الحقول التي تأخذ مساحاتها الشاسعة مد البصر , كانت خضراء جدا , تجعل كئيب المنظر يبدو وسيما عند توقف نظراته على أسرارها الظاهرة لكل من يرى , وما أحن ستائر النور الدافئة المنسدلة من قرص الشمس الأبيض النقي في ذلك المكان البديع , ومع ذلك كانت تنتظر زيارة عشيقها المطر فصلا بعد فصل , وكانت جميع كائنات الحقل تتجهز للاحتفال بعرس الحياة هذا بين الحقول المشتاقة والمطر المستعجل , كنت مميزا جدا وأنا أحمله عابرا كل تلك الحقول , وشاهدني كثير من مخلوقاتها المسالمة , فقد كانت الجنادب الخضراء تقفز عاليا تتنمى لي الحظ السعيد في رحلتي كلما رأتني ألوح بكتلة اللهب التي تشع من قوة أمل حاملها , كانت نارا مسالمة لونها صفراء فاقع تسر الناظرين , حتى البوم كانت تنظر إلي بعين واحدة فقط , لم أفهم السبب , هل هو إضاءة المشعل المتزايدة أثرت على عينها الأخرى أم أنه وقت نومها وراحتها ليس الا , أحب الحقول جدا لألوانها الخضراء التي تريح العين وأنفاسها التي تهدئ كل مرتاع او مهموم , أهوى كثيرا القيام بالنزهات إليها فهي أوقات سعيدة بحق .











بعد أن تجاوزت المسطحات الخضراء و حقول الذرة وقصب السكر وبساتين الفلاحين الذين قدموا لي مؤونة كبيرة من أجود ما يصنع بيوتهم من طعام للسفر , ودعتهم ملوحا ً بمشعلي الخشبي مملوئا بأمنيات الحظ السعيد , رأيت أمامي وديان جافة , لكن قبل ذلك قابلت العديد من الوجوه الغريبة على طوال الطريق إليها , كنت اتحدث مع بعضهم قليلا على جانب الطريق الذي غمره العشب الأصفر ثم أهمّ بالاسراع حتى لا اتأخر عن الوصول الى القلعة , لكن القليل منهم من كنت اتحدث معه كثيرا , أُ ُلائك القلة قد اختاروا رؤية الحياة من زاويتها الأخرى المضيئة , فكنت أسعد بالكلام معهم لأني أحببت أن آخذ منهم بعض الإرشادات التي تعينني على مصاعب الرحلة التي قد أواجه , قال لي أحد الفلاحين الذي كان كبيرا في السن , كنت أرى همزات من تاريخ المكان في عينية الرماديتين الجادتين , كان يبدو بصحة ممتازة , يبتسم لكل شيء , كنت استطيع قراءة ما يشعر عندما يحرك فكيه بطريقة لا تلاحظ , لديه 5 أحفاد فقط اما باقي العائلة فقد قضوا نحبهم في حريق بسبب صاعقة أصابت بستان العنب خاصتهم قبل 3 سنوات , قال لي شيئا لم أنساه الى الان , قال : " خراب مزارعنا لا يأتي بعده الا إحياؤها " , لم اُعر ذلك الكلام تفكيرا حينها لانه بدا طبيعيا ومعروفا لدى الجميع .











الان أنا اقترب شيئا فشيئا من جبلين أبيضين ملتصقين أحدهما بالاخر وكأنهما توأمين من بطن واحد إن كان هنالك بطن قد حملهما!! , لم اعتقد انهما توأمين لأن التوأم مهما كان .. فسوف يأتي يوم ويفترقان ولو لحين , فقلت بل هما حبيبان نعم , الحب لن يفرقهما سواء التصقا او نُسِفَ إحداهما على حساب الاخر , فضحكت كثيرا من السعادة لذلك المنظر الذي بين أفاعيل الحب بالزمان , كان على يسارهما مدخل غابة معتمة حَرَمَ سقفها قاعها أشعة الشمس , خفت أن أدخل تلك الغابة , صحيح اني سأزود جانبها المظلم بنور من مشعلي , لكن الذي خوفني هو ان اتسبب في إحراقها! , فقد كانت صامته وكثيفة كالقطن , أما على الجانب الأيمن من أجساد الحب (لن اقول ارواح هذه المره لانها مجرد جبال) على الجانب الأيمن كانت الوديان الجافة , والتي كانت أيضا تنتظر "عشيقها" المطر , يا سبحان الله , الغيرة! الغيرة! , هي وديان ذوات جداول متشعبة من قمة الجبلين , كلها متحدة تصب في مجرى ضخم يتفرع الى ثلاثة وديان عريضة شيئا ما , الأيمن يصرفه عمال الحقول , والاوسط من حظ الفلاحين , أما الأيسر فيستمر معزولا حتى تصل نهايته الى مكان محاط بصخور عمودية كأنه إحدى حلبات المصارعة التي عرفها واشتهر بها أبناء روما قديما , فكونت نهايته بحيرة صغيرة قد اقترب أوان جفافها , لحسن حظي أني وصلت قبل زوالها , فقد شربت وشربت حتى ارتويت من عذب مائها ثم اغتسلت حتى انتعشت منتفضا من النشاط لمزاولة المسير , كل ذلك وأنا في البحيرة الصغيرة أعوم و أراقب المشعل المتلألئ مغروسا في تربة الوادي البيضاء مخافة أن يلوذ بالفرار وكأنه فرس أبيض مجنح بغير لجام حادّ النظرات في وجهي قد هام بالانطلاق , قلقت كثيرا من ذلك , بعد أن انتزعت المشعل من جديد اتفقنا انا والنار على هدنة , أن لاتتركني الا حينما تنتهي الرحلة والا فالماء مصيرها ....











يتبع...

هناك تعليقان (2):

karim يقول...

مرحبا صديقي أول مرة أزور مدونتك الجميلة وأنا أكيد لن تكون الأخيرة...

جميل هذا الادراج...قدرة فائقة على الخيال والتصوير الجميل تجعل القارئ يستلذ وهو يطالع المقال...أسلوبك جميل صديقي للغاية...

نتطلع لاكمال تفاصيل الرحلة معك ومع المشعل لعله ينير لنا دروبنا في عتمة الحياة المظلمة...

كنت أود التعليق على المقال السابق لكن يبدو أن هناك مشكل ما...

تحياتي صديقي...

Last gay Standing يقول...

مرحبا صديقي مرحبا وسهلا بك لقد نورت المكان بإطلالتك البهية

اشكر لك كلامك المشجع كثيرا

نورالمشعل يأتي من الداخل :)

شكرا جزيلا لقد اسعدتني زيارتك

اتمنى لك أوقاتا جميلة

تحياتي